عبد القادر الجيلاني
210
السفينة القادرية
والمحسوسات فيطلب من اللّه التقوية في كل شيء وإن يعينه على مراده ، لأنه إن لم يعنه اللّه تعطلت عليه أسباب الإعانة مطلقا ورحم اللّه من قال : إذا لم يعنك اللّه فيما تريده * فليس لمخلوق إليه سبيل وإن هو لم يرشدك في كل مقصد * ضللت ولو إن السماك دليل وأضداد هاته الأوصاف أوصاف الربوبية من عز وغنى وقوة ، قال الشيخ الشاذلي رضي اللّه عنه : ملازمة العجز والفقر والضعف تصحيح للعبودية ، وأضدادها أوصاف الربوبية فلازم أوصافك وتعلق بأوصافه . ثم قال : ( أسيرك ببابك ) أي واقف وجالس بباب امتنانك إذ الأسر هو الحبس ، وكأنه يقول أسير اللّه محبوس في طاعته وخدمته ومحبته ولا ميل له لمن سواه ، وكيف لا وإحسانه لا ينقطع عنه أبد الآبدين ، وقد ألبس أولياءه ملابس الهيبة فقاموا بعزته مستعزين ، وبدأ بالإحسان قبل توجه العابدين ، وجاهر بالعطايا قبل طلب الطالبين فالوقوف ببابه عز وجل واجب ، والأسر في محبته من المواهب لأن الإنسان عبد الإحسان ، وهو عبد الكمال والكمال محبوب بالطبع عند من أدركه ، وثمرة هذا النوع من المحبة الاستغراق في الشهود وارتفاع الحجب عن قلب صاحبه حتى يفنى في الشهود ، وإلى هذا المعنى تشير السيدة رابعة العدوية « 1 » حين قال لها سفيان الثوري : كما في الإحياء : ما حقيقة إيمانك ؟ فقالت : ما عبدته خوفا من ناره ، ولا رجاء لجنته فأكون كالأجير السوء ، بل عبدته حبا له وشوقا إليه ثم قالت : أحبك حبين حب الهوى * وحبا لأنك أهل لذاك
--> ( 1 ) رابعة العدوية : تعتبر رابعة بنت إسماعيل العدوية من أشهر الصوفيين في الإسلام ، وبلغت من المعرفة مكانا عاليا حتى إستفتاها في دقائق التصوف كبار المتصوفين في عصرها . وشقت أسلوبا رائعا فريدا في الحب الإلهي ، ولم تعد تفكر في جنة أو نار ولا ثواب ولا عقاب بل كانت تتجه نحو ذات اللّه وحده . ماتت سنة 135 ه .